NadorCity.Com
-
عبد الكريم بولعيون يكتب.. الكورنيش في مجتمع محافظ
بقلم: عبد الكريم بولعيون

لو سُئل أيّ ناظوري في أيِّ برنامج مسابقاتي سؤالا من قبيل : ما الّذي تغيّر في مدينتكم الحبيبة ؟ لن يتردّد الجميع في الإجابة عن سؤالهم المطروح ، كوْنَ أهمّ تحوّل عرفته المدينة و أكبرَ تغيير طرأ عليها هو إحداث كورنيش للمدينة على ضفاف بحيرة " مارتشيكا".

و طبعا سوف لن ننتظِر أن نربح من هذا الجواب الصّحيح المائة في المائة ، مليونا أو اثنين، أو حتى رحلةً لشخصٍ أو شخصين ، أو إقامةً مع تكاليفِ حفل عرسٍ، على غرار ما تمنحه القناة الأولى للمتزوّجين الفائزين في برنامجها " لالاّ لعروسة" ...إنَّ أفضل ما يمكن أن نربحه لن يكون أكثر من جولةٍ رائعةٍ حول هذا الكورنيش نفسه!

و قبل أَن نتحدّث عن هذه الجولة ، يتبادرُ سؤالٌ إلى الذَهن بالمناسبة، لطالما كتمناه في أنفسنا : لماذا لا يُشارك الرّيفيون عموما في مثل هذه البرامج الإجتماعية التنافسية التي تُعرض على التلفزة مباشرة مثل "لالا لعروسة" مثلا؟

في الحقيقة ربما سنُغامر إذا أجبنا بيقينيّة عن مثلِ هذه الأسئلة التي لها أبعاد إجتماعية و ثقافية، لأنها بالتّحديد تحتاج إلى دراسات اجتماعية ميدانيّة إحصائيّة لعيِّناتٍ مختلفة ، ليَخلُص من خلالها الباحث إلى نتائج قريبة إلى الموضوعية . لكن في غياب ذلك، سنُحاول ان نُغامر لنُرجح السّبب في ذلك إلى كون المجتمع الريفيّ يُعتبر مجتمعا " مُحافظا" في عُيونِ الكثير .

قد نفهم من هذه " المُحافظة"، مظهرا من مظاهر التديّن ، لكنّه لا يُعبّر بالضّرورة عن تصوّر صحيح و فهم سويَ لتديّن صحيح ، و كمثال على ذلك، الإيمان ببعض التصوّرات من قبيل ( منع البنات من متابعة الدّراسة) ، كما أنّه من جهة ثانية ،لا ينبغي أن نفهم هذه" المُحافظة" كسِمَة للتخلّف، لأنّه على الرّغم ممّا تعرضت له المنطقة من تهميش، فإنه لم يحُل دون بُروز طاقات و كفاءات واعدة تهمّ كلّ المجالات الثّقافية و العلمية و الفنّية.

لكنْ من المُمكن جدّا إرجاع أسباب " المُحافظة "في المجتمع الرّيفي إلى بعض القيم، كالحشمة و الوقار و العفّة و صون الشّرف و الخوف من العار ... و كلّ ذلك نتيجة تراكمات تاريخية و عادات و تقاليد، و كذلك حصيلة لبنيته اللغوية... هذا لا يعني أنّ هذه القيم استمرت بنفس الدرجة و بنفس مقدار الحرص التي كانت عليه في الماضي القريب، و لا نظنّ أنّها ستستمرّ و ستبقى على حالها في الأمد القريب ، نظرا لمجموعة من المتغيِّرات التي تعرفها المنطقة خارجيا و داخليا...

هكذا نخلص ، إلى أنّ الجواب على السّؤال: لماذا لا يحضر الرّيفيون في مثل هذه البرامج خاصّة ، و أبناء منطقة الشّرق عامّة؟ يتمثل في العمل بمبدأ : "أسرار بيوتتا تبقى مِلك لنا لا لِغيرنا ". إنّ لهذا المبدأ الّذي له علاقة بالقيم التي أشرنا إليها، الفضل في خفض نسبة الطّلاق مقارنة مع مناطق الداخل رغم ارتفاع حدّتها في كل مناطف المغرب منذ الشّروع بالعمل بمدوّنة الأسرة ، و هو نفسُه المسؤول عن كِتمان نِسب العنف الأسري المرتفعة في مناطقنا الرّيفية.

و بعيدا عن هذا السِّجال ، و عودةً لموضوع الجولة حول الكورنيش، نتذكّر جميعا أن المتنفّس الوحيد للمدينة قبل سنوات كان المنطقة المُحاذية للضريح "سيدي عري" ، فبالإضافة للدّور الذي كان يلعبه هذا الضّريح كمرجِعٍ يُشار إليه لإِلتقاءِ الأصدقاءِ والأحبّة ، و مكانا للتّرويح عن النّفس، كان أيضا ملاذا للمرضى من كلّ علّة بدنيّة ونفسيّة و عقليّة قصدا للإستشفاء ،كما كان بالإضافة إلى ذلك، ملجأً للعوانس طلبا لشريك حياة مناسب! كل ذلك، قبل أن يتم ّتشييد أوّل كورنيش صغيرِ المساحة يمتدّ من الضّريح إلى النّادي البحريّ . و بعد ما تمّ هدم فندق" الريف "و استبداله بفندق" ميركير " أصبح كورنيش المدينة مُمتدّا و واسِعا على الشّكل الجذّاب الذي نراه عليه الآن. هذا المنظرُ الجميل للكورنيش لَيْته يكتمِل بِتحسين الوجهة المقابلة له :"حي لعراصي" بالتّحديد ، طبعا مع مراعاة مصلحة السّاكنة و حقوقهم الخاصّة.

إن إحداث الكورنيش كان له انعكاس على مستويات أخرى تخُصّ عادات و ممارسات أبناء المنطقة ، فقد تعودوا على ممارسة الرّياضة على ضفافه كالمشي أو الجري أو هواية الرّكوب على الدرّاجات أو ممارسة كرة القدم في الملاعب التي يُوفّرها هذا المكان، هكذا أصبح الكورنيش مُساعدا على ممارسة هذه الرّياضات و المداومة عليها . كما وَجَد المكان إقبالا كذلك على توافد الأسر مع أبنائها للإستمتاع بالألعاب الموجودة هناك ، و بالتالي مُتنفسا أمامها لقضاء أوقات خارج البيت ...

ما يهمّنا من كلّ ما سبق، أنّ أيَّ إحداث لبِنية جديدة أو مؤسسّة أو مرفق عام ( كالكورنيش مثلا ) سيكون له تأثير مباشر على عادات الناس و أفكارهم و تصرفاتهم و أخلاقهم و أذواقهم ، قد تكون إيجابية كالتي رأيناها سابقا ، و قد تكون سلبية كتفشّي ظواهر لا أخلاقية و غير محترمة كما يظهر من خلال بعض الممارسات المنبوذة التي أبطالها شباب و شابات يعاينها كل وافد على هذا الكورنيش ،غيرأنها لم تعد تلقى ذلك الرفض و الاستنكار الذي كانت تعرفه في الماضي القريب إذا استثنينا إستياء بعض الفئات القليلة .
إن هذه المرافق العامة إذن، تولّد ممارسات معينة تساهم في تغيير بنية المجتمع ثقافيا و إجتماعيا و أخلاقيا، و بالتالي تحويل بنية المجتمع المحافظ إلى مجتمع مفتوح على جميع الاحتمالات


---
تعليق جديد
----
لتصفح الموقع بنسخته الكاملة اضغط على الويب